الحارث المحاسبي

29

المسائل

وإن صار إلى الهوى ، ولذيذ عيش المنى ، ثم دعاه داعي الحق ، وما رغب إليه فيه من الصدق ، من رفض الملاهي التي تعين على المعاصي ، فلم يحب لنفسه المقام على التقصير ، ولا الرضى بالعيش اليسير ، دون أن ينافس الأبرار ، ويكون شبيه الأحرار ، فلا يزال هذا مقامه ، حتى لا يصير للشيطان إلى عمله نصيب . فإذا أمات الهوى بحسن عزيمته ، ولم يذكر إلا الرجاء في طاعته ، وتمثل ما ينال من حسن العزيمة من آجل الثواب وعاجله في الحياة الدنيا . أما في الأجل فالحلول في دار يزول عنه فيها النصب . وبجانبه فيها التعب . وأما في العاجل فيعلوه عز الوقار ، وحلّت به الراحة في الدنيا ، وزالت عنه مؤنة الكلفة ، وعلا قلبه الرجاء إذا لم يكن فيه هوى . فذهبت منه المكابدة ، لما تمت منه على الطاعة العزيمة ، وعظمت عنده بها القيامة ، فينظر إلى نفسه قد حلت بالغنى ، إذا زال عنها ذل الهوى ، وقد لجأ إلى أحمى الحصون ، إذ صار إلى الطاعة منه السكون ، فحلت نفسه بالأنس بعد الوحشة ، وخادنت الطاعة بعد حلولها بالمعصية ، وأبصرت فتنة الرجال للمعصية فعلمت أن رجاء الذنب ليس له بقاء ، وأن الرجاء الذي ليس له دوام ، لا يدوم مع صاحبه المقام ، فصرف عن رجاء الدنيا ، وصار إلى الرجاء الدائم الذي سقى به قلبه ، فأفاق من رقّ الهوى ، ومنية الأعداء . وقد قالت الحكماء : « ما ألذ الراحة بعد النصب ، وألذ منها راحة من قد أمن بعدها العطب » « 1 » . وقالوا : « ارض بدناءة الحال ، إذا لم يكن منك المقام ، ونافس في جودة المنزل ، إذا لم تكن غدا عنه تتحول » . قلت : فمن أراد التخلص والابتداء ، ما أعون الأشياء له ؟ قال : أعون الأشياء له حسن العزيمة على الندامة مما مضى ، والعقد على ألا يعود في سببه أبدا ، والخروج إلى أهل الحقوق من حقوقهم . ويجانب من الخلطاء كلّ من كان على العيب مقيما ، ويخالط من يعينه على ما يريد .

--> ( 1 ) العطب : الهلاك .